الشيخ محمد رشيد رضا

169

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التي يقتضيها العلو المطلق فوق كل شيء والإحاطة بكل شيء . وقرب الصفات لا يعقل بدون قرب الذات ، إذ لا انفصال بينهما ولا انفكاك ، والتحقيق ان مذهب السلف إمرار النصوص في الصفات على ظاهرها من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل ، واللّه تعالى قد اسند القرب في هذه الآية وآيتي سورة الواقعة وسورة ق إلى ذاته فنأخذ هذا الاسناد على ظاهره مع اثبات تنزيهه عن مماثلة خلقه واثبات صفات الكمال له التي يفهم بها المراد من هذا القرب في كل سياق بحسبه ، والجامع فيه ما ذكره الأستاذ من الايجاد للعباد والامداد لهم في أثناء وجودهم ومصيرهم اليه بعد انتهاء آجالهم ، فالقرب في سورة ق يناسب الايجاد والامداد بالعلم والحفظ على قولهم ان قوله ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ ) متعلق بقوله ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) والقرب في سورة الواقعة يناسب المصير اليه تعالى كما يعلم مما بعده ، وقربه في الآية التي نفسرها يناسب الامداد بسمع الدعاء واجابته وهي من متعلقات القدرة والرحمة ، والغرض منه تقرير توحيد العبادة كما قررناه آنفا وقد بينه بيانا مستأنفا بقوله أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ منهم بنفسي من غير واسطة إِذا دَعانِ وتوجه إلي وحدى في طلب حاجته . اى يجب ان يدعى وحده بدون واسطة لأنه هو الذي خلق الانسان ويعلم ما توسوس به نفسه بدون واسطة ، وهو الذي يجيب دعوته وحده بدون واسطة تعينه أو تساعده أو تنوب عنه في الإجابة وقضاء الحاجة أو تؤثر في إرادته وقد فسروا الدعوة بطلب الحاجات وقالوا إن ظاهر الآية ان الإجابة وصف لازم للّه تعالى وأنه يجيب كل داع ، وليس الامر كذلك كما هو ثابت بالمشاهدة ، وأجابوا بأن المراد ان من شأنه الإجابة فهو يجيب إن شاء كما قال في آية أخرى ( فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ ) فهو على حد قولك فلان يعطي الكثير فاطلب منه ، أي ان من شأنه ذلك ولا يلزم منه أن يعطي كل طالب عين ما طلبه . وأجاب بعضهم بأن الإجابة أعم من إعطاء السؤال ، وقد ورد في الحديث الصحيح ان الإجابة تكون بإحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء مثلها . ولا حاجة إلى التأويل إذ لا محل للاشكال فان الآية سيقت لبيان أن اللّه تعالى قريب من عباده المتوجهين اليه فلا حاجة بهم إلى الصياح